الحيوان الباكي: والمقصود هنا من ناحية تلك القطط الكثيرة ذات العيون الحزينة، من جراء التهابها، والتي يراها الكاتب ميشائيل كليبرغ في شوارع بيروت ويصفها بسرده المعبر الدقيق، وقد أثرت ابنته في إرهاف حسه بتلك الحيوانات. ومن ناحية أخرى يشير عنوان كتاب يوميات الرحلة اللبنانية إلى وصف بلينيوس للإنسان باعتباره كائن موهوب بالقدرة على الشعور.
ووفقا لذلك لا يكتفي الكتاب فقط بأن يروي لنا الكثير عن الحياة في "المدينة البيضاء" بيروت وعن البشر والحيوانات التي تسكن المدينة، فكتاب يوميات كليبرغ عن رحلته إلى لينان التي دامت أربعة أسابيع ضمن برنامج التلاقي الأدبي "الديوان الغربي الشرقي"، يعد بالأحرى تأملا ذاتيا ومفهوما جدا عن الحالة الإنسانية في العموم، وعن حالة الكاتب على وجه الخصوص.
وتشكل العلاقة المتميزة مع عباس بيضون (من مواليد 1945) الأساس لكتاب الرحلات المثير، الذي يمكن قراءته بسهولة، بكل ما تجمع فيه من ملاحظات وذكريات وتأملات وثرثرات وحكايات. عباس بيضون من أهم الشعراء العرب في جيله، ويرأس تحرير الصفحة الثقافية في جريدة السفير اللبنانية، وفي الوقت نفسه يعد بيضون من أهم الأصوات الصحفية الناقدة في العالم العربي. في نهاية عام 2002 جاء بيضون لعدة أسابيع إلى برلين بدعوة من الزمالة العلمية، ليكون الضيف الشرقي في لقاء الشعراء "الغربي الشرقي "، وعايش إلى جانب ميشائيل كليبرغ باعتباره الشريك الغربي الحياة اليومية وطريقة حياة وتفكير مثقف ألماني.
يعرض كتاب كليبرغ الذي يعد وثيقة رحلات وخبرات حية ذات أوجه متعددة، لمواصلة تلك الصداقة مع بيضون واللقاء مع الآخر ومع عالم بيروت الغريب عنه، ذاك اللقاء الذي أتاح أيضا لكليبرغ أن يفتح عينيه على عالمه الخاص، وأتاح له مدخلا مختلفا إلى ذاته. يتضمن الكتاب كم كبير من البورتريهات الجلية ذات الحس المرهف للرفاق في بيروت وينقل انطباعا حيويا عن الأحاديث في"جمهورية الأدب" „république des Letters“ الرائعة تلك. ويشعر القارئ بأنه حاضر عندما يلتقي الكتاب العرب والألمان على أرض مشتركة للفلسفة الغربية والأدب والموسيقى دون أن تكون هناك أية صعوبات في التفاهم.
تروي أفكار ذاتية جدا، مشمولة بنظرة مميزة للتفاصيل، عن الخبرات اليومية. والانطباعات المألوفة تقف جنبا إلى جنب مع جدل كليبرغ حول فهمه لنفسه ككاتب ومع الأسئلة الكبيرة حول الشعر والأخلاق. كمنظار بأطياف متعددة يشكل كتاب المسافر كليبرغ صورة للإبداع الجمالي وكذلك لتخطي الحدود الثقافية والجغرافية.
عدد كبير من المشاهد الرائعة، وكثير منها يخفي مادة لنص أدبي جديد، حيث أن كليبرغ يتيح لهذا الكم من المدونات المتراكمة والتأملات والذكريات ذات الإيحاءات أن تحيا من جديد: وعلى وجه الخصوص تبقى في ذاكرة القارئ قصة الزوجين أورسولا عساف الألمانية ويوسف عساف اللبناني، اللذين خاطرا يوميا بحياتهما طيلة الحرب الأهلية اللبنانية، وذلك فقط لأجل فتح أبواب معهد غوته في بيروت أمام بعض الدارسين الدؤوبيين للغة الألمانية . إنها قصة "حب سبكته نيران الحرب".
وقصص الناس الذين يلتقيهم كليبرغ وخبراتهم هي التي تؤثر فيه، وهي التي يحييها بحساسية كبيرة في سرده. ودائما تلك القصص التي أحيانا ما تكون مرحة وأحيانا حزينة، والمليئة رغم ذلك دائما بحكمة الحياة، هي التي تحمل القارئ في هذه الرحلة "على بساط الثقافات واللغات" إلى عالم الشرق الأوسط الغريب المألوف.
ينصت كليبرغ إلى كل تلك الحكايات التي تروى له خلال أيامه البيروتية، ينصت بشغف وبإحساس "شبابي" "للمادة" التي يجعلها موضعا للتساؤل" أثناء "إصغائه على مستويات عدة"، على مستوى "الصور وخيوط الحبكة والخطط السردية والرؤى والحبكة والأصوات المتعددة".
لكن عندما يتهدده أثناء الحكي الانجذاب إلى تكوين الأساطير والبحث اللاإرادي عن أمثلة ميثولوجية، يرى أمام عينيه نصيحة أحد كبار كتاب الرحلات وهو إلياس كانيتي، وهي التي تعيده إلى أرض الواقع المعاش والمسموع: "من الأفضل أن يقطع المرء تدوين مجريات الرحلة، عندما تبدأ هذه المدونات في جذبه بإلحاح لكتابة عمل جديد". لا بد أن نتشوق إذن إلى الأعمال التي ستشد الكاتب إلى إنجازها في المستقبل بناء على الخبرات والتجارب الغربية الشرقية.
أنه- بيت غيريكه
[ ترجمة: أحمد فاروق]
يونيو/ حزيران 2004
|