مواضيع
كتب
كتب روائية
كتب غير روائية
كتب الأطفال والشبان
مؤلفون
تشجيع ودعم الترجمة

الصفحة الرئيسيةمن نحنصحافةرسائل إخباريةبريدإدارة التحريرروابطخارطة الموقع


  
نظرة عامة على الإصدارات
 
 Image Wulf Kirsten

صوَر من حياة الأرض
قصائد خلال خمسين سنة 1954-2004

مع كلمة ختامية لإيبرهارد هاوفي

Ammann Verlag
زوريخ 2004
ISBN 3-250-10464-7
406 عدد الصفحات، 406


بريد دار النشر
عرض للكتاب
عينة للقراءة
 

يميِّز فالتر بنيامين بينَ نوعين مثاليَّين من كُتَّاب القصَّة: نوع الفلاحين المستقرِّين الذين يجسِّدون القُرب/ ونوع البحَّارة المسافرين الذين يرمُزون الى البُعد. وكاتبُ القُصَّة الحقيقي – يتابع بنيامين – هو الذي يوحِّد هذين النوعين المثاليَّين معاً. ومن الذين يوحِّدون بينهما هو فولف كيرستن، مع أنَّ مهنتهُ ليست كتابة القصَّة، وإنما الشعر، وذلك لأن شعره مدموغ بغنى تجربة "القرب" و "البعد" معاً.

فيما يتعلق بالبُعد قام كيرستن المولود سنة 1934 في كيبهاوزن، ساكسن، دائماً وفي شغفٍ بأسفارٍ، ومن الطبيعي، بالدرجة الأولى الى بُلدان شرقيَّةٍ في الجوار أمثال تشيكوسلوفاكيا وبولندا ورومانيا، حيث لم يقتصر اكتشافه على المناظر الطبيعيَّة، بل تعرَّفَ على أهلها وتواريخهم. ونتيجة لهذه الأسفار تولَّدت صوَر وذكريات وجدت مدخلها المتكرر الى عالمه الشعري مع مرور الوقت.

"سيد القلعة الحزين. لوريكا. حياة سافتا المزهرة. الفنادق المهجورة. درب المقبرة. عربة الثور. الارتواء من منبع بريبو. بيوت موينستي الملونة والمبعثرة على الجبل كحزمات من القش. الثورة الدموية التي أُخمدت والتي دُبح فيها أحد عشر ألف فلاحاً. غسيل المرأة الناصع البياض. باقات زهرٍ كصوفٍ ناعمٍ منفوش، لامعة كطلاء خزفيّ ثمين. في أباريق رومانية"، هذا ما يقوله في قصيدةٍ عنوانها لوخيان (Luchian) 1973، قصيدة نثرية موضوعها مناظر الطبيعة في رومانيا وأحداثها، مستوحاة من لوحات الفنان الروماني اسطفان لوخيان (Stephan Luchian) 1868-1916 الذي اسمه عنوان هذه القصيدة.

والجدير في الاهتمام هو أن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالمناظر الطبيعية والأحداث التاريخية في البلاد البعيدة، ولكن أيضاً بتقنية الرسم للّوحة الموصوفة، هذه التقنية التي تحاول أن تقبض على تفاصيل الجو الشعوري: "أن الرسّام الباستيلي يلتقط الغبش الفضي الرمادي الذي يصعد عند شعاع الصبح من مروج خياجنا (Chiajna). بقعة من اللون متأرجحة غارقة في الشمس. ظلال خضراء. صوَر نجوم متقدة تصرخ من الوجع. تلوين الألم في خطوط ألوان معجونة، كهمس ورق مرتعش جامح يغرف معه كل شيءٍ ويدفنه. إن الأنا في النص تتأمل لوحة لوخيان التي تنقل الطبيعة الرومانية والأحداث التاريخية المؤثرة والمزلزلة، وتعيد نقلها بتقنية الرسام، وبدل اللون تحولها الى لغة.

ما يراه "البحّار" كيرستن في تقنية الرسم عند الرسَّام الباستيلي لوخيان هو في الحقيقة ذات الأسلوب الذي يستخدمه "الفلاح المستقر" كيرستن في الوصف الشعري لوطنه. عندما يعيش عالمَ الفلاحين والعمال في بلاده الشرقية شعرياً، حينها لا يبحث عن شيءٍ سوى أن يحوّل هذا العالم في قصائده الى كلمات، كما هو الحال في المقطعين الأخيرين من قصيدته المرموقة والمبرمجة، والتي عنوانها "بداية جُملة" (1967).

"بحرارةٍ تتمُّ التسمية: الناس من القرية،
ثيابهم، صبرهم في عملهم اليومي.
من أشكال الكلمات يقيمون تماثيل لمملكةٍ
من طالبي الحقول
دون أسماءٍ لامعة

ونهراً جارياً يثرثر، فيه تنعكسُ
جوانب من الشّوفان الأصفر
في بلادي الجديرة بالمديح.
أحوّلُ أرضها المشقّقة الفجّة
الى كلمة.

إن التسمية، إن التحويل الى الكلمة، قضية مركزية في شعرية هذا الشاعر. عند قراءة قصائد كيرستن يتولدُ الانطباع أن الطريقة المشار اليها سابقاً في القبض على الحقيقة ليست وحدها شبيهة برؤية رسَّام، بل كذلك رؤية الشاعر شبيهة بها، لأنّ الأنا الشعرية في قصائد كيرستن غالباً ما تنطلق من انطباع بصريّ، مثالاً على هذا، قصيدة "بيتُ إيجار يوم الأحد" (1977)، أو "الأرجوحة" (1990). ما يميّز قصائد كيرستن في الدرجة الأولى هو دقة الرؤية التي عنها يقول هو بالذات: "شرط مسبق حاسم لنقل المنظر الطبيعي في صورةٍ واقعيةٍ صادقةٍ قدر الإمكان".

إن ديوان قصائده المجموعة خلال الخمسين سنة الأخيرة، والذي نُشر هذه السنة في "مطبعة أمَن" في مدينة زوريخ بمناسبة بلوغه السبعين من العمر، وعنوانه "صوَر من حياة الأرض" يجب فهمه في طريقةٍ مبرمجةٍ، ذلك لأن فولف كيرستن رسّام أيضاً لكنه يرسم بالكلمات، وغالباً بكلماتٍ تعود في أصلها الى عالمٍ مضى أو منسيّ، مثالاً على هذا: أكداس العصيد والمذراة وآلة الحلش.

وفي هذا السياق نجد أن للوحات كيرستن اللغوية عملاً شبيهاً بعمل الرسم: وهو المحافظة: فقصائده لا تحافظ على الكلمات فقط، ولكن إضافة الى هذا تعيدها الى الحياة في إطارها الخاص بها.

إن البيئة الطبيعية في وطنه وإنسان هذا الوطن يشكّلان نقطة البداية والنقطة المركزية في العمل الأدبي لهذا الشاعر – "الوطن". قصائد مثل "الأرض عند مايسن" أو "سبع جمل حول فراي" تشهد على صحة هذا الكلام. ولكن على كل حال ليس هدفه الأولي غناء الريف أو اعتباره مصدر شعره. إن أسلوب التسمية والترتيب لا يجعل من الدعوة السحرية للمناظر الطبيعية هدفاً، بل هدفه هو الدلالة الدقيقة قدر الإمكان الى المضمون، لأن "بلاده الممدوحة" صارت "أرضاً مشقّقة فجّة" و "أرضاً مقفرة"، "حيث لا شيء ينمو مما يفيد الزراعة"، هذا بالإضافة الى "حفر مهملةٍ من الحصى" التي فيها للطبيعة حرية مطلقة، وحيث بدل "الحقول المثمرة في الماضي" لا شيء سوى الشعّاب المجدبة".

إن شعر الطبيعة عند كيرستن لا يدعو الى عالم سليم بديلٍ من عالم المدنية – التاريخي، فهو يمكن أن يكون كل شيء إلا انهزامياً. إنه ينتسب في الدرجة الأولى الى تيّار شعراء الطبيعة النقّاد، أمثال هوشل، غونتر آيش، ويوهانّس بوبروفسكي، هؤلاء الشعراء الذين يشكّكون بمفهوم الشعر التقليدي للطبيعة، ويجعلون من الشعور بالذنب تجاه الطبيعة موضوعاً لهم، من حيث أنهم يعالجون بقصائدهم تدمير الطبيعة. كذلك مثل هؤلاء الشعراء القدوة ورفاق الدرب يقدّم كيرستن نفسه مؤرخاً، لا يتذكّر فقط عالم طفولته الذي بطيئاً يزول ويحاول الإبقاء عليه شعرياً، بل هو في الوقت عينه يندب خسارته.

خمسونَ عاماً زمنٌ طويلٌ لظهور عملٍ أدبيّ طليعي. إن ديوان "صوَر من حياة الأرض" الذي يشتمل على 250 قصيدةٍ مختارة من هذه المرحلة الزمنية تسجّل من جهةٍ نموّ هذا الشاعر موضوعاً وشكلاً، وتدل من جهةٍ ثانيةٍ الى ثباته وتصميمه على البقاء مخلصاً مع نفسه. وفي هذه الطريقة لم يرسم كيرستن المشاهد الطبيعية شعرياً، القريبَ منها والبعيدَ فقط، مقيماً لها نُصباً تذكارياً، بل وكذلك لنفسَه أيضاً.

شاليت دورونغفان
أكتوبر 2004
[ ترجمة: الدكتور فؤاد رفقة ]



  
صيغة الطباعة
عودة إلى بداية الصفحةنظرة عامة على الإصدارات