مواضيع
كتب
كتب روائية
كتب غير روائية
كتب الأطفال والشبان
مؤلفون
تشجيع ودعم الترجمة

الصفحة الرئيسيةمن نحنصحافةرسائل إخباريةبريدإدارة التحريرروابطخارطة الموقع


  
نظرة عامة على الإصدارات
 
 Image Friedrich Christian Delius

قاتل لمدة عام

Rowohlt.Berlin Verlag GmbH
برلين 2004
ISBN 3-87134-4568-3
303 صفحات


بريد دار النشر
عرض للكتاب
عينة للقراءة
 

"كُلفت بأن أصبح قاتلاً عشيةَ عيد القديس نيقولاوس، في ساعة الغسق." بهذه الجملة المقتضبة، هائلة العواقب، يبدأ فريدريش كريستيان دليوس أحدث رواياته المثيرة. هذا الموقف المتفجر المُعلن عنه منذ البداية سيظل هو السمة الغالبة على الرواية التي تزواج بين أحداث التاريخ المعاصر وعناصر السيرة الذاتية في نص شيق، يختلط فيه الوثائقي بالمُتَخيل.

نقرأ هنا "اعتراف" الراوي المجهول الاسم، الذي تبين سيرته توازيات واضحة مع حياة الكاتب. يحكي الرواي – بعد مرور ثلاثين عاما – عن الخطط التي نسجها عامي 1968/1969 لاغتيال القاضي النازي السابق هانز يواخيم ريزه. آنذاك كان الرواي طالبا يدرس الأدب في برلين، وداخل رأسه تتصارع كافة الأفكار السياسية، إلا أنه إنسان مهذب متحفظ، وبالتالي لا يصلح للوهلة الأولى أن يكون هو المنتقم العنيف.

عندما أصدر القضاء الألماني الغربي آواخر الستينات حكما ببراءة القاضي في المحكمة النازية المسؤول عن إصدار ما يزيد عن 200 حكم بالإعدام، كان ذلك بمثابة فضيحة سياسية وأخلاقية. ولكن الفضيحة وحدها لم تكن هي ما جعلت الرواي يخرج عن طوره، وحثته على أن "يرسل إشارة" مناهضة للظلم السابق والراهن. ما أغضبه كان بالأحرى الشعور بأن ذلك يمسه شخصياً، وهو ما جعل القرار يختمر في نفس هذا الإنسان الهادئ المسالم لكي يثأر من ريزه الذي شاخ الآن وضعف، ولكي يكفّر هذا القاضي عما ارتكبه من مظالم.

كان جورج غروسكورت - والد أكسل، أفضل أصدقاء الراوي - أحد الذين حكم عليهم القاضيان ريزه وفريزلر بالإعدام. ربطت بين أكسل والرواي صداقة وثيقة منذ الطفولة، وعبر هذا الصديق يسمع الراوي لأول مرة عن جرائم حقبة النازية. أما "الخبرة الحاسمة" في حياته فكانت عندما كشف أكسل – وهو في الثانية عشرة من العمر – عن سره، وباح لصديقه بأنهم "قطعوا رأس" والده في سجن براندنبورغ عام 1944. أما السؤال الذي ما زال يتردد صداه في رأس الراوي البالغ: "لماذا يقطعون رأس إنسان؟" وعندما يسترجع الرواي الصدمة التي حدثت له في الطفولة، وما تولد عنها من سخط عاجز، فإنه يجد فيها البذرة التي أنبتت خطة الاغتيال.

بعد تلك الأمسية التي سمع فيها خبر براءة ريزه، الذي هو بالأحرى فضيحة، شرع الشاب الغاضب في جمع الحقائق بحماسة فائقة عن الطبيب والمناضل غيورغ غروسكورت. بالاشتراك مع الكيميائي روبرت هافه مان كان غروسكورت قد كوّن أثناء الحرب العالمية الثانية مجموعة مقاومة دخلت اليوم غياهب النسيان، تدعى "الاتحاد الأوروبي". هذا "الاتحاد الأوروبي" كان يتطلع إلى أهداف إنسانية في المقام الأول، وذلك عبر تقديم المخبأ لليهود والملاحقين السياسيين، وإمدادهم بالأوراق المزورة، كما كانت المجموعة تتعاون مع منظمات المقاومة في البلدان الأخرى. بصفته طبيباً في مستشفى روبرت كوخ في برلين، أصدر غروسكورت شهادات لعديد من الشبان تفيد بأنهم غير لائقين لأداء الخدمة العسكرية، وبذلك أنقذهم من أن يُرسلوا إلى جبهة الحرب. في الوقت نفسه، وبناءً على قدراته المهنية، استطاع الترقي حتى عين طبيباً شخصياً لرودولف هيس. من خلال هذه المكانة المتميزة كان غروسكورت يحصل على معلومات سرية أضرمت نار الصراع بين مجموعة "الاتحاد الأوروبي" والنازيين، إلى أن وُشي بالمقاومين عام 1943، فأُلقي القبض عليهم، ثم اعدموا في العام اللاحق.

وسرعان ما أضحى تقصي الظروف الدقيقة التي أحاطت بحياة الطبيب ووفاته هوساً بالنسبة للراوي، ولذا أهمل دراسته وصديقته كاترين. بشجاعة كان يتبع "استراتيجية مزدوجة": فمن ناحية انهمك في تأليف كتاب عن المناضل المقاوم الذي طواه النسيان، ومن ناحية أخرى راح يخطط بدقة متناهية للثأر من القاضي النازي. أما هدفه من الكتاب وعملية الاغتيال فهو إرسال إشارة ضد تناسي جرائم النازية في ألمانيا ما بعد الحرب: "ينبغي أن يكون الأمران علنيين، الاغتيال سينفذ مباشرة بعد طرح الكتاب في الأسواق. الكتاب يشرح دوافع الاغتيال، والاغتيال هو النتيجة الحتمية للكتاب. وبذا تتحد أخيراً الكلمة مع الفعل، وينتفي التناقض الذي طالما عذب أصحاب الكلمة".

لكي يعيد الراوي رسم حياة غروسكورت ومصيره، يتقابل كثيرا مع أرملته التي تطلعه على حكم الإعدام ورسائل زوجها ووثائق أخرى عديدة خاصة به. في الوقت ذاته تتزايد التفاصيل التي يعرفها الرواي حول الحياة الحزينة التي تعيشها هذه المرأة، ولذلك تشغل حياتها ومعانتها النصف الثاني من الرواية. كانت شبهات التعاطف مع ألمانيا الشرقية قد حامت حول الأرملة في مطلع الخمسينات بسبب جهودها الرامية للسلام، وبسبب مقالة صحفية مليئة بالافتراءات عليها. إثر ذلك أصدر القضاء الألماني الغربي قراراً بمنعها من مزاولة عملها طبيبةً في الوحدة الصحية بالحي، كما قطعوا عن الشيوعية المزعومة معاشها كأرملة. ولكنهم يعيدون إليها الاعتبار أخيرا في عام 1974بعد عديد من القضايا المهينة. ولأن دليوس يستشهد باستفاضة في هذا الجزء بمحاضر جلسات المحكمة ووثائق أخرى، فهو يطلع القارئ على صورة مجسدة للهستيريا التي سادت خلال الحرب الباردة ومحدودية أفق الناس في العقدين اللذين أعقبا نهاية الحرب، تماما كما نجح في تجسيد فظائع الحكم النازي خلال الجزء الأول.

أما خيط القص الثالث في الرواية فيقودنا إلى أحداث الحركة الطلابية في الستينات، وما صاحبها من رغبة في الفعل بالغت في تضخيم قدرة الذات. هذا الجزء يقصه الراوي بعيون نقدية، وبعد أن ابتعد عن أحداثه بمسافة زمنية تبلغ أكثر من ثلاثين عاما، وهو ما يتجلى على نحو خاص عبر النبرة الساخرة من الذات، إلا أنها سخرية لا تقلل من جدية التناول لمختلف الفصول المظلمة في التاريخ الألماني المعاصر، وهي التي تقوده في النهاية إلى إعادة النظر في قراره بالقيام بدور القاضي والجلاد معاً. غير أن القاتل العقلاني جدا – الذي يود هذا الشاب أن يكونه – لا ينفذ عملية اغتيال ريزه على الإطلاق، إذ أن ريزه "يسبقه"، ويلقى حتفه إثر مرض في القلب.

مثلما نجح في رواياته الوثائقية السابقة - مثل: "بطل الأمن الداخلي" و "مقديشيو، مقعد بجانب الشباك" (1997) - ينجح المؤرخ دليوس في هذه الرواية أيضا في أن يروي قصة من مختلف الزوايا على نحو جذاب ومثير، وعبر المزج الفني للمستويات الزمنية الأربعة التي تعكس خبرات رئيسية في حياة الرواي. إن رواية "قاتل لمدة عام" تجمع بين تناول موضوع شديد الراهنية وتقديم معلومات توثيقية للقارئ، وهي بهذا تنجز ما كان الطالب يهدف إليه عبر الكتاب الذي لم يكتبه: أن يقاوم النسيان ويرسل إشارة، و"يساهم في التوعية والديمقراطية والعدالة".

آنه بيت غريكه
مايو ‏2005‏‏
[ترجمة: سمير جريس]



  
صيغة الطباعة
عودة إلى بداية الصفحةنظرة عامة على الإصدارات