|
|  | |
ماذا يفعل ملكٌ عندما تتوقف الحياة في قصره؟ في البداية لا بد أن يستغرب من الأمر, وعندما لا يجد شيئاً يخلصه من ورطته, فإنه سيخرج إلى العالم الفسيح خارج قصره ليبحث عن حل لهذا الخلل. هكذا تبدأ رواية ماريالينا ليمبكه الأسطورية الحديثة. حيث أن موضوعها الأساسي هو البحث: فالكاتب يبحث عن الأفكار لحكايته, وشخصيات الأسطورة من جهتها تبحث عن الكاتب, فالأمر هنا يتعلق بالربط بين عالمين: الأول ذهني تخيلي, والثاني واقعي. إنها أسطورة كتبت ضمن قواعد معروفة في كتابة هذا الطراز من كتابة الحكاية الخرافية, ولكن في الجانب الآخر تعتمد الكاتبة على سرد قصص أخرى على مبدأ العرائس الروسية (بابوشكا) حيث تتوالد القصص الواحدة من الأخرى, لتجتمع في النهاية في قصة واحدة.
تبدأ الحكاية في قصر ملكي أسطوري, تجلس العائلة المالكة لتناول الإفطار, وتنتظر ليقوم الخدم كالعادة بخدمتهم, ولكن فجأة يتجمد الخدم, ويتوقفون عن الحركة, لأن الكاتب قد توقف عن الكتابة, ولم تعد تعرف الشخصيات ماذا عليها أن تفعل وكيف تتصرف. ورويداً رويداً يتسلل البرد إلى القصر, لذلك تقرر العائلة الخروج منه, لتعرف حقيقة ما يحدث.
وهذا ما يضع العائلة في مواجهة العالم الحقيقي البعيد عن عالم الأساطير, في هذا العالم هناك مراكز تسوق وعمال يقومون بمظاهرات, وسرعان ما تلاحظ العائلة المالكة بأن الناس لا تكترث لوجودهم إلا إذا إلتقتهم في الكتب والقصص, وهذه الحقيقة تجعل العائلة المالكة تصاب بخيبة أمل وحزن شديد.
الموضوع الرئيسي (حيث العائلة المالكة) يروى ويتبدل ويسير بموازاة قصة الكاتب نفسه, الكاتب المحبط الذي لم يعد يجد أفكاراً وخيالات للكتابة. يخرج الكاتب على غير هدى يسير في المدينة ليلتقي في الحديقة برجل عجوز مشرد, ولكنه في نفس الوقت حكيم وذو تجربة في الحياة. حيث يرشد الكاتب ويدله على فهم وإدراك كنه الأسطورة: وجدت الأساطير لكي يحلم الناس, وليكونوا سعداء قليلاً. ومن بدأ نشئ عليه أن ينهيه.
لنعد الآن إلى العائلة الملكية: هناك في المدينة الكثير من الشخصيات المشردة, لأنها وجدت في الحكاية كشخصيات ثانوية, ثم تم رميها خارج الحكاية, والصبي البالغ الثلاثة عشر من العمر هو أحد هؤلاء. فلم يكن لديه أسم لأنه كان غير مهم. ولكن الأميرة رأته شخصا لطيفاً, وقد تأثرت العائلة الملكية بهؤلاء الأطفال الفقراء وأشفقت عليهم, وقررت أن تأخذهم معها وتستضيفهم , وذلك بمساعدة من الكونت فون إيزلس بروكن, والعودة إلى القصر ومن ثم الاتكال على أنفسهم في تقرير مصيرهم . وبما أن شخصيات الحكاية الأسطورية تتصف بالسذاجة لذلك استطاع الكونت أن يوقعهم في الفخ: فهو يصطاد شخصيات الأطفال لقصصه, فيكتبهم في كمبيوتره ومن ثم يمحوهم من جديد. ولكن و لحسن الحظ فإن الصفحة ثلاثة عشر هو صبي ذكي من صبية الشارع, حيث يقوم مع الكاتب بتحرير الجميع من فخ الكونت. فيذهب الجميع إلى القصر ليكتب الكاتب في النهاية حكاية يكون لكل الشخصيات الأسطورية مكان مناسب فيها.
تستخدم ماريالينا ليمبكه مستويات فنية عديدة في سردها للأسطورة فهي تستخدم مثلا أسلوب التناص أو (الكولاج ) بطريقة فريدة ومميزة, إذ تعتمد على بعض الحكايات والأساطير المعروفة , فهي ترغب في الاقتباس الكامل ومن ثم المزج, وبذلك تجدد في الكتابة, كما لو أنها تعطي للطفل حق التغيير والتجديد. وهكذا تبقى نهايات قصصها مفتوحة على كل الاحتمالات (الرجل العجوز المشرد: ستظل دائما هناك أسطورة, لم نتعرف عليها بعد. يقول احد الشخصيات). وهكذا تظل النهاية قابلة لأن تروى وتكتمل بطريقة أو بأخرى إذ تلد الحكاية حكاية أخرى. فموضوع الأسطورة سيظل محل نقاش بين الشخصيات من خلال العلاقة بين الشاعرية المتخيلة والواقع. إن شخصيات ليمبكه تنشأ دوما عن مجموعة حكايات ومبادىْ تقليدية اعتمدها سابقوها, مثلا مصير حورية البحر الصغيرة وأهدافها التربوية, وكذلك الساحرة الشمطاء في حكاية بياض الثلج .
إن الأساليب والأنواع التي تتعلق بشخصيات الأسطورة تتطابق مع النماذج المعروفة وليس مع شخصية فردية مستقلة, وهكذا فإن انفرادية واستقلالية كل شخصية من شخصيات الحكاية الأسطورية تتماثل مع لغة وتصرفات إنسانية محددة, وهذا بحد ذاته يصنع حالة من الكوميديا في كتابات ليمبكه. فعندما يستمر الملك التحدث بلغة ملكية رسمية نرى أن الملكة والأميرة تبدلان لغتهما وطريقة تعبيرهما لتتناسب مع الحالة الجديدة, وهذا مادة يخلق جوا غريبا مميزا, لاسيما عندما يتم توزيع الأطفال ليرووا الحكايات فإنهم فجأة لا يتحدثون فقط باللغة العامة المعروفة في سرد الأسطورة بل إنهم يتغيرون من خلال أخلاقياتهم أيضا, وهذا يتوقف على الشخص الذي يروي الحكاية وموقعه .
بالطبع إن هذا الكتاب ليس كتاب قصص مصورة, ولكن الصور التي رسمتها سيبيل هاين ليست مجرد صور تزينية مرافقة للنصوص بل هي مكملة لها, وفي مكانها الصحيح. سيبيل هاين لا تعتمد على أسلوب واحد في رسوماتها, فهي تستخدم الرسم بالطباشير مرة و مرة أخرى بألوان المائية. إنها رسوم أقرب إلى التجريد, وعلى الأغلب تتداخل مع القصة, فالقراء أو المستمعون سيجدون الكثير من التفاصيل الفكاهية, مثلا نجد تنينا بثلاثة رؤوس, ولكن هناك رأس واحدة فقط ترتدي نظارة, أو نجد شجرة وفي أعلى جذعها لوحة كبيرة مكتوب عليها كلمة "جذع". فسيبيل هاين تستخدم في هذا الكتاب شيئا من أسلوبها الفوضوي والذي يناسب تماما وبشكل رائع هذا الكتاب غير العادي.
هايكه فريزل شباط 2005
|