عن "رءوس القطيع" و "كتبة الصحف"، عن "الدعابة والكآبة"، عن "العلم"، "الفراغ" و"الأنا": عن كل هذه الظواهر الخاصة بما يدور في ساحة الأدب الألماني المعاصر يتحدث كتاب بوتيجر- في تاريخ الأدب- ذو العنوان المميز "ما بعد اليوتوبيا". وإذا كانت عناوين فصول الكتاب المذكورة تثير فضول القارئ لما قد تتضمنه تفصيلاً، فإن إنجاز بُوتيجر المميّز يكمن في عرضه الشامل لرموز و تجليات قص وأدب اللغة الألمانية الحاليين. ولقد أدى هذا إلى إثارة فضول القارئ سواء بالنسبة إلى الأدباء والأديبات أنفسهم- الذين تم تناولهم في الكتاب- أو الى نصوصهم، مما يغري القارئ ليس فقط بإعادة قراءة ما يعرفه بالفعل، ولكن أيضا –وقبل كل شىء– يسّر له اكتشاف ما هو جديد.
إن ما يعرضه بوتيجر في الكتاب لا يدور- بأية حال فقط حول "من يشكك فيهم عادة " مثل جونتر جراس و كريستا ﭭولف ومارتين ﭭالزر- الذين تناولهم بوتيجر في كتابه عن تاريخ الأدب- و لكنه يشمل أيضا الأدباء و الأديبات من جيل الوسط و الجيل الحالي. ومن بين هؤلاء أيضا من هم أقل شهرة – و لكن ليس بالضرورة أقل اثارة لللاهتمام – مثل فريتس رودولف فريز أديب ألمانيا الشرقية ، و توماس شتريتماتر الملقب "بأديب الوطن" الذي رحل في ريعان الشباب. ويمثل هذا الأديب الاستثناء الوحيد لما ذُكر في المقدمة بالنسبة لمعيار اختيار من سيتناولهم بوتيجر بالعرض من حيث كونهم "أدباء على قيد الحياة وأعمالهم معروفة بالفعل، والذين سيبقى اسمهم معروفًا على مدى عشرين سنة قادمة."
و يتضح من العنوان الفرعي لكتاب بوتيجر "تاريخ أدب اللغة الألمانية المعاصر" أن عرض المؤلف يعد عرضًا مقطعيًا لخريطة أدب اللغة الألمانية المعاصر. وكلمة "تاريخ" غير المعرّفّة يجب فهمها بمعنى أن عرض بوتيجر يعد عرضا مبدئيا في تناوله لهذا التاريخ؛ فالمؤلف هنا لا ينشد عرضاً بالمعنى الشامل، ولا يبحث عن موضوعية سارية المفعول بالنسبة لكيفية انتقائه للإشكاليات المعروضة، بل هو على الأرجح يرسم لوحة من خلال رؤيته الخاصة لأكثر من ثلاثين أديبًا وأديبة في الحاضر. وهم بالنسبة إلى الناقد الأدبي بوتيجر – كلٌّ بطريقته- يمثل أدب اللغة الألمانية ما بين عامي 1989 و2002، بعد أن أصبح باديًا للعيان أنه بإعادة توحيد ألمانيا قد تم تحديد بداية حقبة جديدة تمتد إلى حاضرنا اليوم، كما يعبر عنها عنوان الكتاب "ما بعد اليوتوبيا".
يعترف المؤلف صراحة في مقدمة كتابه عن تاريخ أدب الألمانية الأكثر حداثة- من خلال عرضه لصور شخصية للأدباء تحت عنوان "ما النقد؟" - كيف أن "ذاتية الأديب" هي القاعدة الأساسية بالنسبة إلى اختياره للأدباء الذين يتم تقديمهم في الكتاب. هذا الانتقاء الذي يتميز بالذاتية هو اجتهاد لناقدٍ أدبي متمرس، ومحرر أدبي لسنوات طويلة في صحيفة "فرانكفورتر روندشاو"، وصحيفة "تاجس شبيجل" التي تصدر في برلين؛ مما يجعل القارئ يركن إلى رأي هذا الناقد و يتقبله تماماً ؛ لأنه يعلم جيدًا أن هذا الانتقاء قد جاء نتيجة نظرة ثاقبة لكل ما يصلح لأن يكون نموذجاً واضحاً ذا دلالة كبيرة متخطياً بذلك حدود قضايا الساعة التي يتناولها الأدباء والأديبات الذين يشكلون مادة العرض.
وبقدر تنوع العرض الذي يتسم بسعة الإطلاع و بتتبع أدق التفاصيل- بالنسبة لتقديم ممثلي الأدب الألماني المعاصر من حيث القضايا التي يطرحونها، وكيفية معالجتهم للواقع اليومي في ألمانيا الغربية، وكذلك من حيث تطور أسلوبهم الأدبي- بقدر ما يتم إبراز ملامح الكتابة الإبداعية الخاصة بكل منهم من خلال تقدير أعمالهم. و يتم من خلال هذا العرض بطريقة واضحة – ولو جزئياً- إعادة تجميع جزيئات الفسيفساء من خلال الصورة الشخصية المختلفة بالشكل الذي يمدنا بالإجابة على الأسئلة الأساسية في هذا الكتاب: "ماذا يميز الكتابة المعاصرة بما لا تخطئه العين ولا يسمح بالخلط؟ ما اللغة ؟ وما الأشكال التي هي رهن اشارة هذة الكتابة ؟ "
إن بوتيجر يعي تماماً عدم اتباع التعميم أو نظم جامدة صماء؛ فهو يقوم – كلما تيسر هذا و لزم الأمر– بالربط بين كل الأدباء مشيراً إلى السمات المشتركة والاختلافات فيما بينهم مثلما ربط المؤلف بين بيتر هاندكه وبوتو شتراوس، وبين ماركوس ﭭرنر وماكس فريش.
وبهذه الطريقة أقام بوتيجر علاماتٍ على الطريق، وأمدًّ القارئ بحجج و براهين، وبركائز توجهه إلى الطريق الصحيح في ساحة الأدب الألماني خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. ويمتنع بوتيجر – بطريقة تبعث على الارتياح – عن إطلاق أية أحكام عامة أو التقاط صور جماعية. فبدلاً من ذلك يتقدم كتابته دائما كل ما هو ذاتي.
ويقترب بوتيجر بحساسية بالغة من موضوعات مختلفة يتناولها في "تاريخ الأدب الألماني المعاصر"، ونشعر بمدى الجدية في عرضه لكل من الأدباء المقروئين، و الصورة الذاتية لأعمالهم. هذة الجدية هي التي يتتبع من خلالها المؤلف كيفية انعكاس "ذوبان الأنا البرجوازية" التي يتم رصدها في جميع نصوص الأدباء والأديبات الذين وقع عليهم الاختيار. كذلك يتم الإخبار عن الإبداعات الذاتية الفردية بالنسبة إلى استيعاب الفراغ من حول هذه الأنا.
لا يدعى بوتيجر أن عرضه يأخذ في الاعتبار جميع الأديبات والأدباء الذين لعبوا دورًا هامًا في أدب اللغة الألمانية في العقد و نصف العقد الأخيرين، بل الأرجح أن اهتمامه ينصبُّ على أن يعكس عرضه تنوع الأدب الألماني المعاصر من خلال تناوله لظواهر مثل شعر البوب لتوماس ماينكه، أو ظاهرة ما يطلق عليها "معجزة الفتاة" كما عند الأديبات الشابات مثل جوديث هرمان و التي دفعت بها لأن يذكر اسمها جنبًا الى جنب مع أسماء كبيرة مثل ﭭيلهلم ﭽينازينو، دورس جرونباين أو هرتا موللر.
وبنفس القدر كان بديهيا أن يراعى بوتيجر في بانوراما عرضه للأدب الألماني في الوقت الحاضر الإشارة إلى صنوف جديدة بارزة مثل "تعددية اللغة" التي ترسبت في النصوص التي يتم تأليفها باللغة الألمانية، لكنها تضرب بجذورها في لغة وثقافة أخرى مثل الأدباء ذوي الأصول التركية: فيريدون دايموجلو، وأمينة سفجى وأوزدامار، والمجرية تريزيا مورا، أو أديب مثل أندرياس شيفر الذي ينتمي إلى عائلة ألمانية يونانية. ومن خلال هؤلاء الكُتَّاب ذوي الخلفية متعددة الثقافات تم إثراء أدب اللغة الألمانية بـ "نغمات وألوان تنبئ عن المستقبل.
ومن خلال القراءة الممتعة لهذا الكتاب الشيق والمثير يتم التعرف على تطورات وتوجهات أساسية لهذا الأدب منذ إعادة توحيد ألمانيا. ومن المثير الآن أن نتسائل من من الكُتَّاب الذين كرمهم بوتيجر نظراً لأهميتهم في الوقت الراهن سينظر إليهم خلال عشرين سنة قادمة على أنهم هم الذين يرسمون ملامح الأسلوب البداعي ويشكلون التاريخ، أم أن دورهم لن يتعدى مجرد مد الخطاب الأدبي ببعض النبضات. و كونهم جميعاً ذوي أهمية محورية في تطور أدب اللغة الألمانية المعاصر في بداية هذا القرن، فهذا ما نجح بوتيجر في ابرازه في كتابه الذي يتسم بالذكاء.
|