"الفساد هو سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية"، هذا هو نص تعريف منظمة الشفافية الدولية
TI للفساد، وهى أكبر منظمة غير حكومية في العالم، والتي قام بيتر آيجن، أحد مديري البنك الدولي السابقين، بتأسيسها قبل عشرة سنوات، وهى تملك الآن أفرعاً في أكثر من 100 دولة، ولذلك تُعد "لاعباً عالمياًً (شاملاً)" في مجال مكافحة الفساد والذي يُمثل حسب تقدير بيتر آيجن أكبر عائق أمام التطور الاقتصادي والديمقراطي، وخاصة في دول العالم الثالث.
ويصف آيجن في كتابه نشأة وعمل منظمة الشفافية الدولية؛ كونها مرتبطة ارتباطاً وثيق الصلةً بشخصه، ولذلك يُلاحَظ اختلاط فقرات تصف سيرته الذاتية مع الكم الغزير من المعلومات الموضوعية في الفصول الأولى للكتاب، والتي تقوم بوصف البواعث التي دفعت مدير مُخضرم خدم البنك الدولي لمدة طويلة لترك عمله وتكريس نفسه لمكافحة الفساد.
هدف الكتاب الرئيسي يكمن في تقديم وعرض عمل منظمة الشفافية الدولية على أرض الواقع، كذلك عرض الأفكار والتصورات التي تمثل مُقومات عملها، وأدواتها القابلة للتطبيق عملياً والتي تمَخضت عن عملها المُعايش. علاوة على ذلك يتم في الكتاب توضيح وشرح التقارير التي تُنشر بصورة دورية حول مكافحة الفساد في العالم، وإحصاء نجاحات المنظمة من خلال تعاونها مع الهيئات الدولية الأخرى.
لا تقوم منظمة الشفافية الدولية - بناءًا على منطلقها المبدئي- بالتشهير بحالات فساد فردية، بل تقوم باقتراح منافذ للخروج من هذا المأزق الواقعي، كما أنها تقوم بتعليل وشرح هذا المبدأ وإثبات فاعليته استناداً إلى أمثلة من الحياة العملية. وختاماً يتم تكملة هذا العرض لعمل منظمة الشفافية الدولية بالإشارة إلى المنظمات الدولية الأخرى التي تشارك بصورة نشطة في مكافحة الفساد، وبإلقاء نظرة على مخططاتها المستقبلية. علاوة على ذلك يجد القارئ في نهاية الكتاب ملحقاً شاملاً يحتوي على مواد صدرت حديثاً مثل "الخريطة العالمية للفساد" وهى تقرير مقسم حسب مناطق العالم يُعالج أساليب ممارسة الفساد، كما يحتوي الملحق على أهم مؤشرين لعمل المنظمة وهما: "مؤشر رصد دافعي الرشاوى" و"مؤشر رصد الفساد"، بالإضافة إلى معلومات عن أفرع الاقتصاد ذات الصلة بذالك، وعن نتائج الاستبيانات المهمة.
نشأة منظمة الشفافية الدولية
عَمل بيتر آيجن كمدير للبنك الدولي لمدة عقود طويلة وإقاماته الكثيرة في إفريقيا أكسباه حساسية خاصة ووعياً بالتأثير الهَدّام للفساد، ولذلك قام في البداية بمحاولة مناقشة هذا الموضوع في إطار هيئة عمله. وفي هذا السياق فقد أصبح جلياً أن الرأي السائد في ذلك الحين والقائل بأن الفساد جزأً من "الثقافة الإفريقية" ولذلك يجب على الدول المانحة القبول به، وخيم العواقب. وخاصة إذا أخذنا المعطيات السياسية لصراع القطبين "الشرقي-الغربي" بعين الاعتبار: واستناداً إلى ذلك تم محاولة كسب النُخب الحاكمة في الدول النامية ومد جسور ربط وثيقة بينها وبين دول الغرب الصناعية، وذلك من خلال دفع مبالغ سخية لها وعدم فرض "شروط" تُقيد حرية حركتها. ونظراً لذلك فقد تم تحريم أية نقاش حول عمليات الاختلاس و"تشجيع" الفساد داخل البنك الدولي وتم تبرير ذلك بالتنويه إلى مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول المستقبلة للمساعدات. وقد دفع الشعور بالوقوع في مأزق داخل المنظمة التي يعمل لها بيتر آيجن إلى ترك عمله في البنك الدولي في عام 1993 وتأسيس منظمة الشفافية الدولية ودفع خطاها إلى الأمام، يداً بيد مع أصدقائه وزملائه العاملين في مراكز قيادية في الاقتصاد وفي منظمات مساعدات التنمية.
أفكار وتصورات
قام الأعضاء المؤسسون لمنظمة الشفافية الدولية بتعريف دورها كعامل حَفاز - انطلاقاً من معرفتهم بأن خوف الشركات من فقدان فرص تنافسية هو الذي يدفعها إلى دفع الرشاوى- كالتالي: "هدف عملنا هو خلق مناخ قادر على جعل التعاون الشفاف ممكناً على أرض الواقع. فواجب منظمتنا لا يكمن في البحث عن مذنبين، بل في خلق وعي عالمي بحجم الأضرار التي تبلغ قيمتها البلايين والناتجة عن تأخر عملية التطور في المجال التعليمي وفي مجال البُنية التحتية للدول النامية. وفي نفس الوقت تهدف منظمة الشفافية الدولية إلى تحويل بؤرة الاهتمام إلى الكوارث البيئية والتنموية الناتجة كذلك عن ممارسة الرشاوى".
ومقتضى مفهوم منظمة الشفافية الدولية فإن هيئة الرقابة المركزية لمكافحة الفساد، علي المستوى المحلي والعالمي، لا بد أن تكون ممثلة في المجتمع المدني، ولن يكون باستطاعة المواطنين الوفاء بوظيفة المراقبة هذه إلا إذا تم التأكد من تحقيق أعلى درجة من الشفافية في التعامل مع الأموال العامة. ويعد النشر على شبكة الانترنت إحدى الأساليب المألوفة في بعض الدول. ولا يُخفي بيتر آيجن أن الطريق لا يزالُ طويلاً، ولكنه يظهر لنا بمساعدة عدد من الأمثلة الإيجابية من بلاد مختلفة أنه تم تحقيق نجاحات باهرة على المستوى المحلي والعالمي.
أدوات قابلة للتطبيق العملي و نجاحات مُؤسساتية
تمخض عن عمل منظمة الشفافية الدولية في العشر سنوات الأخيرة مجموعة من أدوات محاربة الفساد تم تكييفها وتطوير عملها من قبل أفرع منظمتنا القومية لتتناسب مع طبيعة الاحتياجات على المستوى المحلى. "النزاهة" و"الشفافية" هما المفتاحان اللذان يدور حولهما كل شيء: فميثاق النزاهة يصف، في بداية عملية طرح مناقصة أحد المشاريع، اتفاقاً معلناً عنه بين صاحب التكليف والمُكلف (أو المرشح)، حيث يقوم كل المشاركين بإلزام أنفسهم بعدم تقديم أو قبول أية رشاوى ونشر كل المعلومات المتعلقة بعملية المناقصة. كذلك تم منع إجراء أية اتفاقات خفية بين مقدمي العروض، وتسريب معلومات سرية من قبل ممثلي الجهة الطارحة للمناقصة إلى مقدمي العروض. ومن لا يلتزم بهذه الشروط، يتم معاقبته بدفع غرامة مالية ووضع اسمه في قائمة سوداء، ولا يُسمح له في المشاركة في عمليات المناقصة المستقبلية.
ويقدم هذا المَرجع الأوَّلِيّ Source Book الذي تم ترجمته إلى عشرين لغة وسائل وأدوات وأمثلة للقيام بتحليل الأنظمة الفاسدة، وهو يمكن أن يمثل نقطة بداية لتغييرات في هذه الأنظمة. كما يقدم "صندوق أدوات محاربي الفساد" أمثلة ناجحة لمكافحة الفساد ونصائح عملية لمكافحة الفساد على المستوى المحلي.
رابط إلكتروني: النجاحات
- تُشكِلُ معاهدة منظمة التعاون والتطوير الاقتصادي OECD التي قامت 30 دولة من الدول الأعضاء فيها، بالإضافة إلى 5 دول مصدرة، بالتوقيع عليها في عام 1997، انعطافة حاسمة في عمل منظمة الشفافية الدولية الناجح في مجال مكافحة الفساد.
ومن المحزن أن كثيراً من الشركات في ألمانيا لا تعرف بأن القيام بدفع الرشاوى في الخارج يعرضها أيضاً للملاحقة القانونية من قبل السلطات المختصة في بلدها الأم.
رابط إلكتروني: تقارير
- قامت منظمة الشفافية الدولية في عام 2001 بنشر تقريرها السنوي حول الفساد العالمي لأول مرة، وهو عبارة عن وصف للوضع الراهن لعالم مُرتشٍ. ويعتبر هذا التقرير حول الفساد العالمي Global Corruption Report ، بالإضافة إلى "قائمة التقييم" لدول العالم الأكثر فساداً Corruption Perception Index وتلك الدول التي تقوم شركاتها بدفع أغلب الرشاوى Bribe Payers Index، مؤشراً موثوقاً به لوصف تطور مستويات الفساد في كل الدول بشكل منفرد.
هايكه فريزل
[ ترجمة : لؤي المدهون ]
|