مواضيع
كتب
كتب روائية
كتب غير روائية
كتب الأطفال والشبان
مؤلفون
تشجيع ودعم الترجمة

الصفحة الرئيسيةمن نحنصحافةرسائل إخباريةبريدإدارة التحريرروابطخارطة الموقع


  
نظرة عامة على الإصدارات
 
 Image Detlev Claussen

دتليف كلاوسن

تيودور ف. أدورنو
آخر العباقرة

S. Fischer Verlag

دار فيشر للنشر

فرنكفورت 2003

الرقم الدولي 2-010813-10-3
388 صفحات




بريد دار النشر
عرض للكتاب
عينة للقراءة
 

بمناسبة الذكرى المئويّة لميلاد تيودور ف. أدورنو صدرت مجموعة متنوّعة من كتابات السّيرة إلى جانب عدد يتعذّر على الحصر من المقالات في الصحف والمجلاّت الناطقة باللغة الألمانيّة. إلاّ أنّ الكتب الثلاثة الأكثر أهمّية حول أدورنو هي: هذا الكتاب الذي نحن بصدد عرضه الآن للكاتب دتليف كلاوسّن، وكتاب ستيفان ميللّر-دوهم الذي يقع في حوالي ألف صفحة، و "السيرة السياسيّة" للورنس ييغرْ. ونادرًا ما تمّ التطرّق إلى هذه الكتب الثلاثة بصفة منفصلة الواحد عن الآخر، بل غالبًا ما جاء تناولها ضمن مقارنات بينها، وموازنات تُقابل بين الواحد والآخر، وفواصل تميّزها عن بعضها البعض بهدف تدقيق العرض بصفة أفضل. وقد أفضت التصنيفات التي تتردّد هنا وهناك بالنهاية إلى دمغ وإفراز ثلاث نماذج: ميللّر-دوهم المنقّب الموثّق والمؤرخ المجتهد والأمين الذي لا يُهمل حتّى العناصر غير المجاملة، و ييغرْ الذي يكرّس نفسه للاشتغال على أدورنو ولا يبخل في ذلك بالآراء النقديّة –بما في ذلك الجارح منها، ثمّ كلاوسّن. كلاوسن، وهو مثل ميللر-دوهم من قدماء طلبة أدورنو، يتوخّى طريقة تتخلّى عن السرد البيوغرافي الصّرف لسيرة الأحداث الحياتيّة مفتتحًا بذلك طرقاً مغايرة للتعامل مع قصص الحياة، كما يعطي أولويّة لمنهجيّة "التفكير ضمن دوائر من التوافقات".

ميزة هذه الخاصيّة المنهجيّة التي تعتمد الاشتغال التوليفي على وحدات ثيميّة مركزيّة أنّها تمنح حتّى القارئ غير الخبير منفذًا إلى فكر أدورنو. وستنجرّ عن ذلك أحيانًا تكرارات قد تبدو فائضة عن اللزوم بالنسبة لقراءة متّصلة للكتاب، إلا أنّها تجعل القراءة المنفصلة لكلّ فصل على حده أمرًا ممكنًا. وداخل كلّ فصل حيث تأتي الموضوعة المركزيّة محدّدة بمنطق كرونولوجي نابع من مسيرة أحداث حياة أدورنو، يتحرّك كلاوسّن مع ذلك ضمن دائرة الأطر العلائقيّة متحرّرًا من كلّ ملزَمات الحدود الزّمنيّة-الميقاتيّة. إنّه يتتبّع الخيوط الأكثر تنوّعًا والتي تقود مع ذلك دومًا باتّجاه مظهر آخر وجديد من مظاهر حياة أدورنو وفكره؛ وينعت كلاوسّن هذه الطريقة بـ"توليفة شذرات بيوغرافيّة" من خلالها يتمّ تدريجيًّا تشكيل صورة متكاملة عن أدورنو الموسيقار وعالم الاجتماع والفيلسوف ضمن محيطه الاجتماعي والفكريّ.

ستبدو أيضًا غريبة تلك الطريقة التي يُضمّن بها كلاوسّن الاستشهادات (الطويلة غالبًا) بمقاطع من نصوص أدورنو التي تندمج داخل النصّ على نحو يصبح تمييزها عن جمله الخاصّة أمرًا مستحيلا لولا كتابتها بالخطّ المائل. لكنّ هذه الاستشهادات ترد للأسف غير مرقّمة ممّا يجعل محاولات البحث عن مراجعها في الملحق عملا معقّدًا وغير يسير. وأحيانًا يقترب كاتب السيرة في أسلوبه من موضوع كتابته اقترابًا يجعل "النبرة الأدورنيّة" ترنّ من خلاله: تراكيب جمل ذات طابع خاصّ مع تلك الخاصيّة في تأخير ضمائر الأفعال الانعكاسيّة. إلاّ أنّ المفعول الأكثر أهمية لتلك الاستشهادات المفصّلة هو أنّها تضمن حصول الاقتراب المرجوّ من فكر أدورنو: نصوص الاستشهادات تحيل على حياة أدرونو، وسرد وقائع حياته يستند على الدّوام على تلك النصوص.

يتكوّن الكتاب من سبع فصول ومقطع دون تعليقات لقصيدة بريشت ("إلى الخَلَف")، ونصًّا لأدورنو من كتاب Minima Moralia بعنوان "خارج المعمعة"، كما يحتوي على ملاحق حول هنس أيزلرْ وفريتز لانغ.
بعد الفصل التمهيدي الذي يحمل عنوان: "عوضًا عن مقدّمة: ما من خَلَف" والذي يطرح فيه كلاوسّن الإشكال الواضح الذي يواجه عملاً بيوغرافيًَا حول تيودرو ف. أدورنو المنتقِد العنيف لكلّ "سِيرويّة"، يبدأ الفصل الأوّل للكتاب (أفق مشرقة: طفولة فرنكفورت حوالي 1910) بعرض عن طفولة وشباب أدورنو في فرنكفورت. والعنوان الإيحائي كأغلب عناوين فصول هذا الكتاب، ينبئ منذ البدء بنوعيّة المقدّمة الطويلة اللاحقة: إضافة إلى تصوير الأجواء العائليّة التي ستطبع حياة أدورنو بكلّيتها في ما بعد، يستدعي كلاوسّن كذلك مجموعة من المسائل الأخرى.

إنّ النظرة التي يلقيها الكاتب إلى الوراء على "القرن البرجوازي الطويل" الذي يمتدّ من غوته مرورًا بتوماس مان وحتّى كارثة الحرب العالميّة الأولى ويشمل سنوات طفولة أدورنو أيضًا، تلعب هنا دور توطئة. كما أنّ الوقوف على التّجارب السابقة لأولئك الذين سيغدون أصدقاء ورفاق درب في ما بعد مثل بنيامين وكراكاور أو هوركايمر سيقع تناولها هي أيضًا والنظر في اختلافاتها وتقاربها من زاوية الأصل الذي ينحدر منه أدورنو. وتشكّل حياة اليهود الألمان في مراوحتها بين الاندماج وإمكانيّات الارتقاء البرجوازي الخلفيّة التي يؤسّس عليها كلاوسّن وصفه للمحيط الفنيّ اللانمطيّ لبيت فيزنغروندْ-أدورنو العائلي. وإنّ التأثير المبكّر لـ"أُمَّيه" - ماريا كالفيللي أدورنو (الأم) مغنّية الأوبرا وأختها أغاته- على "تيدّي" الصغير يعدّ عنصرًا ذا أهميّة لا تقدّر.

الفصل الثاني الذي يمرّ بنا "من تيدّي فيزنغروند إلى الدكتور فيزنغروندْ أدورنو" يقف على سنوات الدراسة بفرنكفورت، ثمّ التحوّل إلى فيينا وأخيرًا الرحيل المتردّد عن ألمانيا بعد نهاية عهد جمهوريّة فايمار الديمقراطيّة. هنا ترد المقاطع الأولى الغنيّة بالتفاصيل عن السّير السياسيّة لرفاق الدّرب وكذلك تاريخ نشأة معهد البحوث الاجتماعيّة. أمّا الانتقال من حياة الانغلاق الريفي في فرنكفورت إلى فيينا العشرينات التي كانت تحيا أعزّ سنوات مجدها وإشعاعها العالميّ، والدراسة على يدي كلّ من ألبان بيرغ وأرنولد شونْبارغْ فقد فتحت عيني أدورنو على آفاق عوالم جديدة .

أمّا الفصل الثالث الذي يحمل عنوان "اللامطابق" فيتناول بالأساس حياة المنفى. الـ لا-مطابَقة؛ المسافة التي تفصل الفرد عن العالم المحيط، والمغايَرة هي من الصفات التي تتلاءم وواقع الأصل الذي ينحدر منه أدورنو، ولم تزدها صعوبات الحياة، بما في ذلك الماديّة منها في بعض الأحيان، في أنكلترا ثمّ في الولايات المتحدة سوى تثبيتًا. ثمّ كانت مرحلة الارتقاء الكلّي –وهنا ستبرز أولويّة المحتوى على حساب التسلسل الكرونولوجي بصفة أكثر وضوح– التي تمثّلت في المساعدة التي قدّمها لتوماس مان في عمله على إنجاز "دكتور فاوست". وقد كانت المشورة التي قدّمها أدورنو المؤلّف الموسيقي لتوماس مان ذات فائدة كبرى، إلاّ أنّها أفضت في النهاية إلى خلافات بينه وبين عائلة مان. وقد لعب توماس مان بوصفه (آخر) ممثّلي "القرن البرجوازي الطويل" جسرًا للعبور إلى التطوّرات الجديدة في فكر أدورنو نحو صقل مفهوم "الصناعة الثقافيّة" وبموجبه إلى "جدليّة التنوير". وبالأخير، وتحت تأثيرات الأنباء الواردة عن أوشفيتز(أكبر معسكرات الإبادة النازية في بولندا) نشأ كتاب الـMinima Moralia. العمل على هذه الأعمال الثلاثة المختلفة كليًّا في نفس الوقت وكذلك المواجهات الفكريّة التي انجرّت عنها تمثّل الأحداث التي تسم هذه المرحلة من حياة أدورنو.

بعد فصل بعنوان "مَعابِر" يتضمّن نصوصًا لبريشت وأدورنو وكذلك مقالتين عن هنس أيزلر وفريتز لانغ يتّجه كلاوسّن باهتمامه إلى مرحلة لاحقة من حياة أدورنو. ويتناول فصل "فرنكفورت التحويل"-"Frankfurt Transfer" ما سمّي بـ "التجربة الأميركيّة " والطريقة التي يصفها بها أدورنو ويتناولها بالتحليل في نصّه المنشور سنة 1968 "’’Scientific Experiences Of European Scholar in America على سبيل المثال. إنّ تضافر التفكّرات النظريّة مع منهج التحقيق الميداني وتضامنهما داخل مجال العلوم الاجتماعيّة هو ما يميّز عمل أدورنو في’’Princeton Radio Research Project’ كما في معهد البحوث الاجتماعيّة. وتحت ضغط الحاجة الماديّة والمنافسة الشديدة اضطرّ أدورنو إلى إنجاز بعض الأعمال التي كان يعرضها عليه معهد البحوث الذي كان يشرف عليه الماركسي النمساويّ باول ف. لازارسفيلد. وكان لبعض البحوث التي تتناول مسائل تأثيرات وسائل الإعلام الجديدة مثل الإذاعة أن سمحت لأدورنو بالعودة إلى الاهتمام ب"الموسيقى الاستهلاكيّة" كما كان يسمّي موسيقى الجاز التي لا يحبّها، وأن يظلّ حتّى الستّينات يعود إلى تناول هذا الموضوع بالنقد الشديد.

يفسح كلاوسّن في فصل "المُطابق" مجالاً كبيرًا لموضوع دور الموسيقى التي منحت حياة أدورنو "لحظات من الوجود خارج المكان" كما مكّنته في الوقت نفسه من تحقيق "ازدواجيّة الأنا". وسيعبّر عن العلاقة المتينة التي تربط بين السعادة والخوف على أنّها "الأمر نفسه (...) أن يكون المرء منفتحًا على تقبّل التجربة (...)" ومفهوم "السعادة" هو أيضًا موضوع للمناقشة التي جرت بين أدورنو وهوركايمر سنة 1956 والتي يحيل عليها كلاوسّن في العديد من المرّات خلال هذا الفصل. ومن خلال استعادة العديد من الموضوعات التي وقع تناولها منذ 1939 في حياة المنفى الأمريكي يظلّ كلاوسن يستعيد على الدوام انعكاسات المجادلات الحاسمة حول مسائل دور النظريّة وتطبيقاتها العمليّة، ومفهوم الهويّة داخل المجتمع الرأسمالي البرجوازي، وإمكانيّات التغيير الاجتماعي. أمّا بخصوص الدور الحاسم الذي لعبه كلّ من فالتر بن يامين وماكس هوركايمر في حياة وفكر أدورنو فإنّ كلاوسّن يعبّر عنه كالآتي: "(...) بين صورتيهما تبدو ملامح أدورنو جليّة؛ معالم مميّزة لا يخطئها المرء، ومع ذلك لا يمكن تصوّرها دون الصفات المشتركة."

في الفصل الأخير الذي يحمل عنوان "ترسّبات الحياة " يعود كلاوسن مرّة أخرى إلى تتبّع مسيرة علاقات أدورنو برفاق السنوات المبكّرة. وبعد أن تعرّض في البداية إلى فترة بدايات أدورنو داخل جمهوريّة ألمانيا الاتحادية وتناوله لموضوع الماضي الألماني، أولى كلاوسّن اهتمامه بصفة دقيقة لعلاقة أدورنو بإرنست بلوخ، تلك العلاقة الموسومة بتناوب حالات "التقارب والتباعد". وقد وجد كلاوسّن من خلال السرد المفصّل لوقائع هذه العلاقة فرصة للوقوف على محتوى المواجهات المتنوّعة التي خاضها أدورنو: الملاحظات التَبريرية المتعلقة بمحاكمات موسكو من ِقبل بلوخ، مثل الجدالات الانفعاليّة حول أعمال فالتر بنيامين، وكذلك برتولت بريشت وهنس أيزلر اللذان يحظيان بفائق احترام أدورنو كفنّانيْن، لكنّه ينظر بعين النقد والريبة إلى مواقفهما المناصرة "للشيوعيّة الحزبيّة"؛ هذه العلاقات تتحوّل إلى محاور للتفكير في هذا الفصل. وكلاوسّن يتحكّم ببراعة فائقة في جعل تفاعلات الأفكار النظريّة مع الوقائع الملموسة أمرًا يسير الفهم، وذلك "بالدفع" بنصوص أدورنو-كما عبّر عن ذلك من قبل- إلى "التعبير عن نفسها" من خلال إدماجها داخل نسيج السرد البيوغرافي.

أمّا المحور الثيمي الأخير فيتناول علاقة أدورنو بالحركة الطلاّبيّة لسنة 1968، تلك العلاقة المشحونة بالتوتّرات والتي كانت مثارًا للعديد من النقاشات. وقد كان أدورنو، حسب تخمينات كلاوسّن، مهيّئًا سلفًا لاتجاه تلك الحركة و"معاداتها للمثقّفين التي ترشح بالنقمة على الذّات" عن طريق "مسرحة الماديّة الفجّة" المميّزة لبرتولت بريشت. أن يظلّ الطلبة في سنة 1969 يواصلون البحث عن تجسيد لمواقفهم الرافضة فذلك لا يعود في نظر أدورنو إلاّ إلى "الرغبة في الدعايةٍ للذات"، وبالتالي فهو لا يرى غرابة في ذلك الأمر.

هذا الكتاب دراسة لمحيط المثقّفين من حول أدورنو، محيط قد منح القرن العشرين دفعات وإسهامات فكريّة ذات قيمة لا تقدّر، وسيظلّ جديرًا بالاكتشاف خلال القرن الواحد والعشرين.

هايكه فريزل

[ ترجمة: علي مصباح ]



  
صيغة الطباعة
عودة إلى بداية الصفحةنظرة عامة على الإصدارات