اللغة العربية؛ العربية > كتب > كتب غير روائية > ترتيب زمني > أدمغة عبقرية > عرض للكتاب


  
 
 Image Michael Hagner

أدمغة عبقرية
حول تاريخ بحوث أدمغة النخبة

Wallstein Verlag

غوتنغن 2004

لرقم الدولي 649-89244-3

375 صفحات


 

يقدم ميشائيل هاغنر بكتابه العلمي التاريخي حول بحوث أدمغة شخصيات بارزة دراسة غنية بالتفاصيل وسهلة الفهم في نفس الوقت في هذا الموضوع المعدي منذ مئات السنين. من الواضح أن الأمر بالنسبة له يتعلق بكشف العلاقات بين البحث العلمي والأهداف الاجتماعية السياسية المرتبطة به أكثر مما يتعلق بمجرد طرح تطورات البحث.

لا يضع هاغنر في كتابه المكتوب بشكل مثير كون علماء المراحل المختلفة قاموا ببحوثهم بدافع الأهتمام العلمي موضع السؤال بأي حال من الأحوال. كما ينجح في توضيح الطريقة التي أسيء بها استخدام نتائج هذا البحث مرارا كأساس علمي لنظريات تقوم على التمييز العنصري والجنسي، رغم أن أغلب الطرق المعروضة والنتائج المستخلصة تبدو من وجهة النظر الراهنة غير معقولة. أي بحوث في أي فترة تاريخية أجريت وبأي هدف دفعت إلى الأمام، هي المسألة التي تقف وراء الكتاب في الواقع.

تزايد الاهتمام الواضح للعلم بالدماغ في نهاية القرن الثامن عشر، في وقت أخذ فيه المرء يكتشف بصورة أدق العلاقة بين الدماغ والذكاء. يصف هاغنر بدايات البحث المختلفة منذ ذلك الوقت بتوسع دون أن يتناولها بتفصيل علمي كبير ويخاطر بذلك أن ينصرف غير الأطباء عن القراءة. يضع السياق الاجتماعي المعني نصب عينه على الدوام، ولا يقتصر في ذلك على ألمانيا وإنما يشمل أيضا بلدانا أوروبية أخرى.

إذا كان اهتمام الباحثين قد اتجه في البداية إلى الجمجمة وليس إلى محتواها فإن ذلك يرجع إلى التحريم الأثني الذي لا يسمح بفتح رؤوس الموتى وتشريحها. فضلا عن ذلك ساد الاعتقاد يومذاك بأن الدماغ يتميز بوضوح على كل حال في شكل الجمجمة الداخلي والخارجي. إعتقد المرء أنه بالإمكان من خلال القياس الدقيق والتصوير الذي يعتمد على المقاييس الحقيقية للجمجمة إثبات كون السمات الخارجية الفردية مثل حجم الرأس وعرض الجبين أو ارتفاعه قرائن على ذكاء خاص أو حتى على العبقرية.

مضت نظرية الجمجمة (الفرينولوجيا) خطوة أخرى وقدمت قائمة كاملة من الخصائص النفسية والقدرات التي يمكن قراءة مظهرها الفردي من خلال تشكيل أقسام معينة من الجمجمة. وطبقا لهذا ينتمي "الدافع الجنسي" ضمن غيره إلى قسم الرقبة، و"حاسة الواقعية" خلف الجبين والقدرة على "الإجلال" في منتصف أعلى الرأس تماما.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتقل الاهتمام أكثر فأكثر إلى فحص الدماغ نفسه. إلا أن الحاجة الطبية إلى المعرفة كانت محصورة في حدود ضيقة، لأن تشريح أدمغة العلماء كان لا يزال مثقلا بالمشاكل من وجهة النظر الأثنية. رغم أنه سمح بفحص أدمغة المصابين بأمراض عقلية والمنتحرين وتشريحها أيضا، لكن وجب دفن رؤوس الشخصيات المشهورة دون المساس بها. من أجل التغلب على هذا العائق أسست مجموعة من العلماء في فرنسا اتحادا للبحث، وضع أفرادها أدمغتهم الشخصية تحت تصرف البحث الطبي بعد موتهم. وقد كان أمرا مثيرا للارتباك أن يسموا هذا الاتحاد "– تشريحا متبادلا."autopsie mutuelle"

على أساس القياسات المضبوطة لتلافيف الدماغ حاول المرء بمساعدة دراسات مقارنة عزل الخصائص التي اعتقد المرء أنه يستطيع بالاستناد إليها معرفة العبقرية أو الجنون والاستعداد الخاص أيضا لسلوك إجرامي. وكثيرا ما ربط المرء خلال ذلك أيضا بين الخصائص الثلاث. لم تنطلق الأنتروبولوجيا الجنائية التي أسسها الايطالي سيزار لومبروزو من كون المرء يستطيع قراءة الصفات المذكورة سالفا في الدماغ، وإنما أيضا من إمكان تصنيف "أجناس" بشرية معينة من خلال الصفات التي تميز كل واحد منها. لا يذكر هاغنر دون تسلية أن دماغ لومبروزو نفسه فحص بعد موته وأظهر تلك الخصائص التي يتصف بها المجرمون الكبار حسب نظريته.

كان فحص قشرة الدماغ وتركيباتها المختلفة وكثافة خلاياها...الخ الخطوة الكبيرة التالية التي أمل المرء أن يستطيع بها حل لغز الدماغ وطريقة عمله. فإذا ما تطابق دماغ إنسان استثنائي مع توقعات الباحثين، اعتبروا هذا برهانا على فرضيتهم، أما إذا لم يكن كذلك فقد كان العبقري بالطبع الاستثناء الشهير من القاعدة أو حتى أنه اعتبر شكلا ضعيفا لما هو طبيعي.

غلبت في بحوث الدماغ حتى منتصف القرن العشرين بداية "تنظيمية" كما يسميها هاغنر، حلت محلها بين الأربعينات والثمانينات أخرى "متقننة". اعتبر الاختراع الحديث "الكومبيوتر" نموذجا لطريقة عمل الدماغ وجرى تصوير التفكير البشري في نسق يشبه دوائر التوصيلات. فإذا ما تبع المرء هذا النموذج بثبات فإنه سيصل حتما إلى السؤال عما إذا كان الإنسان كائنا مستقلا أم أنه يتلقى نبضه من الخارج مثل الكومبيوتر.

وأخيرا يشير المؤلف ملخصا إلى أنه يمكن الإنطلاق من أنه "لن يوجد دماغ واحد في زجاجة إذا ما تعلق الأمر بسبب موهبة خاصة في موضع موصوف من الدماغ". وحتى الإمكانات التقنية المتقدمة التي تمتلكها العلوم العصبية اليوم لا تستطيع إثبات لماذا تعمل أدمغة ذات قدرات عالية بصورة خاصة بشكل جيد. وإذا كان المرء اليوم قادرا بمساعدة توموغرافيا الكومبيوتر على تحديد موضع النشاطات الدماغية المرتفعة خلال القيام بفعاليات مختلفة فذلك يعني مبدئيا أن المرء يعرف فقط أين يعمل الدماغ لحظتئذ، ولكن ليس كيف يعمل. ورغم أن هذا الشكل من السايبرفرينولوجيا يبدو مثيرا وله دلالة كبيرة لا ينبغي للمرء أن يغفل في ذلك المسألة الحاسمة: بأي هدف يجري البحث هنا؟











هايكه فريزل
آب 2005
[ ترجمة: سالمة صالح ]



 

© 2012 Litrix